المناوي

262

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

بالصوف ، وترك لبس الشّفوف ، وسلك طريق النّجاة ، وقصّ جناح ذوي الجناح . قال ابن الأبّار : كان عارفا بالقرآن ، والحديث ، والكلام ، والتحقيق ، والتصوف وبه اشتهر مع الزّهد والورع والاجتهاد في العبادة ، وله تصانيف مفيدة منها « تفسير القرآن » « 1 » . و « شرح الأسماء الحسنى » « 2 » . قال عبد الملك في « ذيل تاريخ ابن بشكوال » « 3 » : سعي عليه سعاية باطلة عند علي بن يوسف بن تاشفين ، فأحضره إلى مراكش ، فلمّا وصل إليها ، قال له : لا أعيش إلّا قليلا ، ولا يعيش الذي أحضرني بعدي إلّا قليلا ، فعقد له مجلس مناظرة ، وأوردوا عليه المسائل التي أنكروها ، فأجاب ، وخرّجها مخارج محتملة مقبولة ، فلم يقنعوا منه بذلك ؛ لكونهم لم يفهموا مقاصده ، وقرّروا عند السّلطان أنّه مبتدع ، فحبسه فمرض بعد أيام قليلة ومات في الحبس سنة ستّ وثلاثين « 4 » وخمس مائة ، ومات عليّ بن يوسف بعده في رجب سنة سبع وثلاثين . ولمّا قيل له : إنّه مات ، أمر أن يطرح على مزبلة بغير صلاة عليه ، وأن لا يدفن بحسب ما قرّره معه من طعن عليه من المتفقهة « 5 » ، فاتّفق أنّ بعض أهل الفضل لمّا بلغه وفاته أرسل عبدا أسود نادى جهارا في الأسواق : احضروا جنازة فلان ، فامتلأت الرّحاب من الناس ، وضاقت البلد عنهم ، فغسّلوه ، وصلّوا عليه ، ودفنوه . ولم يستطع السّلطان وأعوانه ومتفقهته أن يفعلوا شيئا .

--> ( 1 ) وأكثر كلامه فيه على طريق أرباب الأحوال والمقامات ، وقد استنبطوا من رموزاته أمورا ، فأخبروا بها قبل الوقوع . انظر وفيات الأعيان ، وكشف الظنون . ( 2 ) وهو كتاب كبير ، جمع فيه من أسماء اللّه تعالى ما زاد على المائة والثلاثين كلّها مشهورة مروية ، وفصّل الكلام في كل اسم على ثلاثة فصول ، الأول في استخراجها ، الثاني في الطريق إلى تقرب مسالكها ، الثالث في الإشارة إلى التعبد بحقائقها . كشف الظنون . ( 3 ) في المطبوع : ابن شكوان . ( 4 ) قال الذهبي عنه وعن أبي العباس بن العريف في السير 20 / 73 : أخذ هذان وغرّبا ، واعتقلا ، توهّم ابن تاشفين أن يثورا عليه كما فعل ابن تومرت . ( 5 ) في المطبوع : المتفيهقين .